محمد أبو زهرة
3869
زهرة التفاسير
وقال ابن كثير في هذا : « عبر تعالى عن غفلة الناس عن التفكر في آيات اللّه ، ودلائل التوحيد بما خلقه في السماوات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت ، وسيارات وأفلاك دائرات ، والجميع مسخرات ، وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات ، وجبال راسيات ، وبحار زاخرات ، وأمواج متلاطمات ، وقفار شاسعات ، وكم من أحياء وأموات ، وحيوان ونبات ، وثمرات متشابهة ، ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات ، فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات ، المتفرد بالبقاء والصمدية للأسماء والصفات » « 1 » . نقلنا هذه الكلمة مع طولها وسجعها المتكلف ، لعموم ما تشير إليه من آيات اللّه تعالى في السماء والأرض . وإن العرب كان فيهم إيمان باللّه ، كانوا يؤمنون بأنه الخالق لمن في السماوات والأرض ، وأنه هو المغيث ، وأنه ليس كمثله شئ في ذاته وصفاته ، ولكنهم مع هذا الإيمان بخلق اللّه تعالى يشركون معه الأوثان في العبادة ، ولذا قال تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) . أَكْثَرُهُمْ ، أي أكثر الناس ، وما المراد بالناس هنا ؟ أراد بهم العرب قبل ظهور الإسلام أم الناس أجمعون ؟ لا مانع من إرادة أحد العرضين أو إرادتهما معا بمعنى شمول الكلمة لكل ما تدل عليه من ناس عرب وعجم . على الفرض الأول يكون في هذا النص السامي بيان حقيقة تاريخية تومئ إلى حكمة بعث النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في العرب ابتداء ، وعموم دعوته من بين صفوفهم من بعد . . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . . . ( 124 ) [ الأنعام ] ذلك أن العرب من شعوب الأرض كانوا يعلمون اللّه ، ويؤمنون بأنه الخالق لكل شئ وأنه واحد في ذاته وصفاته ، ولكنهم مع ذلك يعبدون الأوثان مع اللّه سبحانه وتعالى ، وكانوا في تلبيتهم في الحج ، يجمعون بين الإيمان باللّه الواحد الأحد
--> ( 1 ) تفسير القرآن العظيم : ج 4 / 358 .